المقريزي
327
المقفى الكبير
10 قد غرّت الحرب من قد كان قبلكم * من القرون ، وقد بادت بها الأمم فانصرفوا قومكم لا تهلكوا بذخا * فربّ ذي بذخ زلّت به القدم فكتب إليه ابن عبّاس : إنّي لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه . ولست أدع النصيحة له في كلّ ما يجمع اللّه به الألفة ويطفئ به النائرة . ودخل عبد اللّه بن عبّاس على الحسين فكلّمه ليلا طويلا ، وقال : أنشدك اللّه أن تهلك غدا بحال مضيعة . لا تأت العراق ! وإن كنت لا بدّ فاعلا فأقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون ، ثمّ ترى رأيك - وذلك في عشر ذي الحجّة سنة ستّين . [ اعتزامه الخروج إلى العراق ] فأبى الحسين إلّا أن يمضي إلى العراق . فقال له ابن عبّاس : واللّه إنّي لأظنّك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته . واللّه إنّي لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ! . فقال : يا أبا العبّاس ، إنّك شيخ قد كبرت . فقال ابن عبّاس : لولا أن يزري ذلك بي وبك ، لنشبت يدي في رأسك ، ولو أعلم أنّا إذا تناصينا أقمت ، لفعلت ، ولكن لا إخال ذلك نافعي . فقال له الحسين : لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن تستحلّ بي مكّة . فبكى ابن عبّاس وقال : أقررت عين ابن الزبير ، فذلك الذي يسلّي نفسي عنه . ثمّ خرج ابن عبّاس من عنده وهو مغضب ، وابن الزبير على الباب . فلمّا رآه قال : يا ابن الزبير ، قد أتى ما أحببت . قرّت عينك : هذا أبو عبد اللّه يخرج ويتركك في الحجاز [ الرجز ] : يا لك من قبّرة بمعمر « 1 » * خلا لك الجوّ فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقّري ودخل محمد بن الحنفيّة على الحسين بمكّة ، وأعلمه أنّ الخروج ليس له برأي . فأبى الحسين أن يقبل . فحبس محمّد [ 399 ب ] ولده فلم يبعث أحدا منهم ، حتّى وجد حسين في نفسه على أخيه محمد وقال : ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه ! . فقال محمد : وما حاجتي أن تصاب ويصابوا معك ، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم ؟ . وذكر الزبير بن أبي بكر عن أبي سعيد المقبري قال : واللّه لرأيت حسينا ، وإنّه ليمشي بين رجلين يعتمد على هذا مرّة وعلى هذا مرّة حتّى دخل مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو يقول [ الخفيف ] « 2 » : لا ذعرت السوام في غبش الصّب * ح مغيرا ، ولا دعيت يزيدا يوم أعطى مخافة الموت ضيما * والمنايا يرصدنني أن أحيدا ( قال ) فعلمت عند ذلك أن لا يلبث إلّا قليلا حتى يخرج . فما لبث أن خرج حتّى لحق بمكّة . وفي رواية : خرج الحسين من مكّة إلى العراق ، فلمّا مرّ بباب المسجد الحرام قال . . . ( وذكر البيتين ) . وكتب مروان إلى عبيد اللّه بن زياد : أمّا بعد ، فإنّ الحسين بن عليّ قد توجّه إليك ، وهو الحسين ابن فاطمة ، وفاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتا اللّه ما أحد يسلمه اللّه أحبّ إلينا من الحسين ، فإيّاك أن تهيج على نفسك ما لا يسدّه شيء ولا تنساه العامّة ولا تدع ذكره ، والسلام . وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص : أمّا
--> ( 1 ) الرجز في مقاتل الطالبيّين للأصفهاني ص 110 وفيه تخريجه . ( 2 ) البيتان ضمن قصيدة من 11 بيتا ليزيد بن مفرّغ الحميري ( انظر شعر يزيد بن مفرّغ الحميري جمع داود سلوم بغداد 1968 .